محليمقالات

محمد بالنيران يكتب// العرض والطلب والدلو المثقوب

محمد بالنيران يكتب// العرض والطلب والدلو المثقوب

 

حول أزمة الطاقة واستمرار شح الوقود وارتفاع أسعاره في الجنوب الليبي، كتب محمد بانيران، مقالا هامًا على صفحته على موقع فيس بوك، طالعته “الجماهيرية” والى النص الكامل له:-

…………….

ان فكرة زيادة المعروض من المحروقات في مناطق الجنوب الغربي (فزان)،  تبدو فكرة منطقية في بادئ الامر من اجل التغلب على زيادة الاسعار الجنونية والتي تعاظمت بسبب عامل الندرة وشح العرض والتي فاقت في بعض الاحيان سعر لتر البنزين والديزل في انجامينا واغاديس، مما يطرح تساؤل عن اين تذهب كميات الوقود التي يتم ضخها عبر خطوط الامداد البري من المواني والمصافي الليبية؟!

يبدو ثمة تسرب أو ثغرة ما في مسار عمليات توزيع المحروقات وعدم وصولها للمستهلك بانتظام وبالتالي ارتفاع وعدم استقرار اسعارها.

مهما زاد عدد ناقلات الاسطول البري، ومهما وضع المسئولين من  احجار الاساس للمصافي المفترضة بالجنوب، فلن يمتلئ الخزان مادام ثمة ثقب غير مرصود، وحتى لو تحقق الرصد فلن يمتلئ الخزان ويستقر المعروض وتنخفض الاسعار قبل السيطرة على ذلك الخلل.

في مدينة الزاوية توجد المصفاة الاكبر في ليبيا لتكرير النفط وانتاج المحروقات، وشاهدت في عديد المرات انعدام البنزين في محطات الوقود العاملة بالمدينة والضواحي المجاورة لها وتوفرها فقط بالسوق السوداء وبأسعار عالية جداً. 

لقد نشئت العديد من مجاورات ومستعمرات اقتصاد الظل في اكثر من بقعة بالبلاد وان كان اغلبها متركز بالجنوب تعمل في مجال التنقيب غير المقنن عن الذهب وتجمعات للهجرة غير الشرعية وإيواء الوافدين وصارت تتحول الى مستوطنات ومراكز لكل الاعمال غير القانونية مثل تجارة الممنوعات وتفويج المرتزقة الى مناطق القتال والصراع، اضف الى ذلك خطوط تهريب السجائر والمخدرات والترمادول وغيرها من الانشطة الممنوعة والتي تستهلك يوميا الاف الاطنان من المحروقات وتدفع مقابلها اسعار جذب مغرية مضاف لها آتاوات المصدر  وآتاوات العبور والتي سيكون معها التفكير في وصول لتر البنزين الى الفلاح والمواطن الجنوبي بسعر 150 درهم نوع من السذاجة يعيشيها وينتظر تحققها اليوم كثيرا من البسطاء وعدد لابأس به من الساسه الكسالى.

في تراث مصحات الامراض العقلية، كنا نسمع بان هناك اختبار تقليدي للحالات الجديدة بأن يعطى للمريض إناء مثقوب ويطلب منه ان يملئه بالماء ويتم تشخيص بعض تلك الحالات وفقاً لردود الافعال على هذا الطلب.

تزايد المطالب والجهود لاغراق السوق عبر زيادة كمية الواردات من المشتقات النفطية هي بالضبط ما يتم فعله اليوم في المطالب الشعبية والممارسات الحكومية ولسان حال تلك المافيات يقول للمصفاة الجديدة كوني في سبها او ادري او اوباري فأين ماتكوني خراجك لنا.

إن الاستمرار في مل الدلو المثقوب، هو في الواقع زيادة في حجم البرك والمستنقعات الناشئة عن التسرب وبالتالي ازدياد وتوسع المستوطنات والانشطة غير المشروعة التي لاتتوقف عن امتصاص حاجة السوق والتي صار لها وسائل حماية ذاتية وصارت تمتلك السلاح وتدافع به عن مصالحها وتقتل كل من يقف في طريقها ولها في سبيل ذلك ان تشتري الكثير من المسئولين الامنيين والموظفين الحكوميين وتتولى هي حمايتهم وتأمينهم وليس العكس.

على ضفاف هذه الانشطة عالية الخطورة نمت وترعرت الجريمة والحرابة وكلما ارتفع سعر البنزين كلما قل سعر حياة الانسان، الذي صار يموت لاتفه الاسباب، إذ مقابل سرقة هاتف محمول رخيص الثمن مات الطالب الجامعي والدكتور والمهندس والفلاح وعامل النظافة وفي كل مرة يتحول الضحية الى ايقونة وترند على السوشيال ميديا لمدة لن تزيد عن  48 ساعة ثم يحل محله صريع اخر وهكذا دواليك.

حتى آليات رفع الدعم المقترحة رغم نجاعة الفكرة لكنها لن تكون ذات جدوى في ظل الاحتكار والاحتكام للسلاح ومالم تتفكك هذه المستوطنات ويتم فرض قوة الدولة الفاعلة ومعالجة الامر على أسس قانونية صارمة،  ماعدا ذلك حتى لو تم اخراج نفط البرنت كله وبناء عشرات المصافي او حتى المفاعلات فلن يضيف ذلك شيئ لمؤشرات الرخاء والتنمية والنشاط الفلاحي والاستقرار المنشود، فالسوق الواقع ما بعد حدود الفهم سيستهلك كل احتياطيات البلد من وقود وسيارات وخردة وتموين ودواء ونحاس، وستعمل هذه الممارسات وتوابعها على تناقص النمو الفلاحي وحتى الهجرة السلبية للشمال لحاقاً بالخدمات والامان النسبي المتحقق هناك،

وفي نفس الوقت فأن التجمعات الناشئة على اقتصاد الثغرة ستتسع وستزداد قوة اقتصادية وعسكرية وسيتعاظم دورها كنقطة جذب للمهاجرين من كافة دول المصدر المحيطة بليبيا وسيكون بأمكان هذه الغيتوهات في المدى المنظور ان تهزم الدولة المنشغلة بالتفكير في كيفية تعبئة (الكسكاس) بالزيت. بل وربما تطالب حتى بحقها في تقرير المصير.

نكرر ونقول دائماً إن المشكل أمني صرف حتى وان كانت أعراضه الظاهرة اقتصادية.  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى